في ذكرى يوم الأربعين يوم الجمعة 20 / صفر / 1431هـ خطب سماحة العلامة الحجة السيد عبد الله الموسوي خطبة بعد صلاة الظهرين بيّن فيها الأسباب التي دعت الإمام الحسين عليه السلام إلى الخروج ، وأشار إلى أهم مبدأ وغاية من خروجه وهي الإصلاح ، ذاكراً الأساليب التي اتبعها في حركته ،
متطرقاً إلى قضية تدجين بني أمية للأمة ومسخهم لشخصيتها ، مشيراً في غضون ذلك إلى كيفية تعامل الإمام أمير المؤمنين عليه السلام مع المعارضة ، لافتا النظر إلى تعامل الإمام الخميني الراحل ورجال ثورته الكبار مع المعارضة أيضاً ، معتبراً ثورة الإمام الراحل أبرز مثال للفتح الذي حصل للإمام الحسين عليه السلام في الدنيا ، مبينا فشل الهدف الذي أُبعِد الإمام من أجله إلى النجف الأشرف ، ذاكراً حضوره العلمي في النجف ، وموضحا للحياة الاقتصادية للإمام الذي لم تتغير حياته لا قبل الحكم ولا بعده . وفيما يلي النص الكامل للخطبة :
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أبي القاسم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين .
ورد في الخبر عن أبي محمد العسكري (ع) قال : " من علامات المؤمن خمس : صلاة إحدى وخمسين ، وزيارة الأربعين ، والتختم باليمين ، وتعفير الجبين ، والحهر ببسم الله الرحمن الرحيم " ( الوسائل ج 10 الباب 56) . هذه من علامات المؤمن .
نعيش ذكرى اليوم الأربعين على رحيل الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه . العدد أربعين عندنا في ثقافتنا هو عدد مقدس . قال تعالى :
﴾ وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون
﴿ ، و في الرواية عندنا : " من حفظ أربعين حديثاً بُعِث يوم القيامة فقيها " ، كما عندنا أيضا رواية أخرى وهي أنه : " ما أخلص عبد الإيمان بالله أربعين يوماً – أو قال - : ما أجمل عبد ذكر الله أربعين يوماً إلا زهده الله في الدنيا وبصره داءها ودواءها وأثبت الحكمة في قلبه وأنطق بها لسانه " . هناك روايات كثيرة حول الأربعين ، عندنا الخلوة لأهل المعرفة أربعين يوما ، من أذنب لم يُقبَل منه عمل أربعين يوماً .. الخ . إذن روايات كثيرة حول الأربعين ، وإن هذا العدد بالنسبة لنا عدد محترم في ثقافتنا ومقدس . إلى هذه الدرجة ، إلى درجة أن النضج الرجولي يحصل في سن الأربعين لأن الذي لم يعش تجاربه الأربعين فلا يمكن حينئذٍ أن يستفيد من بقية عمره ، قال تعالى : ﴾ حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك
﴿ . إذن مسألة الأربعين عندنا في ثقافتنا مسألة مهمة جداً . الحسين صلوات الله وسلامه عليه لماذا تُجدَّد ذكراه في يوم الأربعين ؟ أنت ترى أحياناً يصل ستة ملايين أو خمسة ملايين أو أربعة ملايين أو ثلاثة ملايين إلى كربلاء المقدسة ، لماذا ؟ إذا أردنا أن نعرف الأسباب أي أسباب ارتباط الناس بالحسين صلوات الله وسلامه عليه لنلقي نظرة على الحسين . الحسين صلوات الله وسلامه عليه إذا نظرنا له نجد أن هناك ثمة غايات لحركته ، هناك أسباب ودوافع لهذه الحركة ، هناك أساليب وسلوكيات تم تطبيقها في هذه الحركة ، وواقع معاش للحركة تلك . هذه العناصر جميعها نستطيع إذا تعرفنا عليها أن نعرف قيمة الحسين صلوات الله وسلامه عليه عند البشرية قاطبة ، لذلك عندما يأتي مثل أنطوان بارا ويتحدث عن الحسين وهو مسيحي نعرف قيمة الإمام الحسين في القيم البشرية المعرفية ، وحينما يقول غاندي أيضاً : " إني تعلمت من الحسين كيف أكون مظلوماً فأنتصر " نعرف حركة الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه في مستوى حركة المستضعفين ضد المستكبرين .
أهم مبدأ وغاية في حركة الإمام الحسين
إن ما قدمه الحسين صلوات الله وسلامه عليه لم يكن استعراضاً ولم يكن مغامرة ولم يكن صراعاً على الحكم أو النظام ، فالإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه أعلن أهم مبدأ وغاية في حركته وثورته حينما قال : " لم أخرج أشراً ولا بطراً وإنما خرجت للإصلاح في أمة جدي " . إذن الغاية هي الإصلاح ، وما قد يُتَّهم به من أنه خارجي وقضية شق صف الأمة وكما ذكرت أنا في الأسبوع الماضي حول الفتنة فإن الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه يريد أن يقول : أنا بعيد عن الفتنة ، لم أخرج أشرا ولا بطرا ، لا أريد أن أصارع على نظام أو على حكم أو ما إلى آخره . علي ابن أبي طالب لم يصارع ، الحسن لم يصارع ، إذن ما الذي خرجتَ من أجله ؟ ! خرجتُ للإصلاح في أمة جدي . الإصلاح له غايات حينئذٍ والمراد من الإصلاح والصلاح الدنيوي هو السعادة الأبدية دنياً وآخرة . الإنسان إنما وُجِد على هذه الأرض من أجل غاية ، هذه الغاية ما هي ؟ ! ﴾ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون
﴿ في الرواية : أي ليعلمون ، العبادة بمعنى العلم ، لأن العبادة متفرعة عن العلم ، أنت متى تعبد الله عز وجل ؟ إذا كان الإنسان لا يعرف الله هل يعبد الله ؟ قطعاً لا . لا بد أن يسبق العلم ومن ثم العبادة . إذن الغاية ، غاية الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه من الحركة كانت واضحة ، هي الإصلاح : إصلاح اجتماعي ، إصلاح سياسي ، إصلاح على مستوى الفرد .
تدجين بني أمية للأمة
أما الإصلاح الاجتماعي فهو قائم على مجموعة عوامل وعناصر لأن بني أمية دجَّنوا الأمة فكراً وسلوكاً ، كيف ذلك ؟ أعطوا الأمة فكراً معيّناً ، فكراً ينحو نحو الانحطاط ، لذلك جُعِل سب علي ابن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه جزءاً من خطبة يوم الجمعة ، علي ابن أبي طالب من هو حتى يُسَب ؟ ! في الرواية : " لا يبغضه إلا منافق " فهل أن الذي يسب الإمام علي يسبه وهو محب له ؟ ! : " لا يحبك يا علي إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق " ، ولكن يخرج لنا رجل أحياناً لديه بعض الخبال أو أنه يسخر من الأمة وعقلها ليقول : نعم ما لعنه إلا لأنه يحبه !! فصاحب ( التحفة الاثني عشرية ) ماذا يقول ؟ ! يقول : إن طلحة والزبير قاتلا علياً وهما محبان له !! فكيف يكون ذلك ؟ !! رجل يذبح آخر وهو يحبه !! غريب !! قد يخرج لك رجل في عقله لوثة فيقول : نعم لعنوه وهم محبون له !! أستغفر الله ! هذا غريب جدا ! ! حتى وصل الأمر بأحدهم أنه نسي أن يسب علياً وأن يلعن عليّاً في خطبته فَذُكِّر في طريق سفره فلعنه قضاءً في تلك المنطقة فبنوا مسجداً هناك وسموه : مسجد الذكر . سبحان الله ! الذكر يقال لذكر الله عز وجل ، وهذا سموه مسجد الذكر لأنه ذُكِّر بأنه لم يلعن علي ابن أبي طالب ، وهذا المسجد موجود إلى الآن في الشام . دجَّنوا هذا الفكر إلى هذه الدرجة ، مسخوا شخصية الأمة بحيث أن الأمة تتعامل على أن هؤلاء هم ظل الله في الأرض وهم خلفاء الله ، كما ينقل الجاحظ عن أحدهم ، عن أحد وزراء عبد الملك أو عبد الملك نفسه ، ما الذي يقوله ؟ ! حينما جيء في التفاضل بين الرسول صلى الله عليه وآله وبين من سواه ، فيقول : أيهم أفضل خليفة المرء أم رسوله ؟ لاحظ الخبث ! طبعا خليفة المرء على أبنائه وعياله أفضل من رجل يرسله . الفرق هو أن هذا أول الكلام وهو أن هؤلاء ليسوا خلفاء الله بل مغتصبو الخلافة . هناك فرق . والرسول هو أيضاً ليس مجرد رسول وإنما هو رسول وخليفة لله عز وجل . محاولة غسل الأدمغة ومسخ شخصية المسلم بهذه الطريقة إلى درجة أنه ضُرِب عمار حتى فُتِق بطنه وجُلِد أبو ذر وأُبعِد إلى الربذة فبقيت الأمة تعيش حالة فراغ لا تعرف ما هو الإسلام أساساً وهل أن الإسلام الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وأسقط امتيازات القبيلة ، كل امتيازات قريش وجعل المقياس للامتياز : " إن أكرمكم عند الله أتقاكم " و " الناس عندي سواسية كأسنان المشط " و " لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى " ، كل هذه القيم نسفها هؤلاء وحتى أنهم فرقوا في العطاء فعندما يأتي عربي يقدمونه على الأعجمي ، والقرشي يقدمونه على العربي ، وهكذا . إذن قيم الرسالة إما أنهم قضوا عليها أو حاولوا القضاء عليها ، مسخوا الأمة ، فتحتاج الأمة إلى إصلاح اجتماعي لأنه تم تدجين الأمة بروايات مثل : " أطع أميرك برّاً كان أو فاجراً " و " إذا ضربك أميرك فاسمع له وأطع " وهذه المجموعة من الأقوال التي كانوا يتحدثون عنها حينئذ . دجَّنوا الأمة . عندنا الفرد أيضا لم تصبح له مكانة بحيث أن الحديث عن المنكرات أصبح حديثاً عن المكرمات . الإنسان عندما يقال بأنه قام بهذا العمل المشين فماذا يعمل ؟ يبتعد عن الناس ، يغطي وجهه ، ينتحي ناحية ، وهؤلاء لا حياء عندهم . كان شارباً للخمر مرتكباً للفجور ولا يستحي ، لاعباً بالطنبور لاعبا بالقرود ومع ذلك فهو خليفة المسلمين ويتصدر حينئذ المجلس ، إلى هذه الدرجة بلغت بهم الوقاحة .
تعامل الإمام أمير المؤمنين مع المعارضة
الإمام أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه – وهذه واقعاً هي الديمقراطية الحقيقية – كان في حكمه ، هذا الحكم المثالي النموذجي الذي لم يتكرر إلا في أيامنا هذه على يد حفيده سلام الله عليه ، أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه عنده قضيتان ذكرتهما أنا عدة مرات أنه تأتي مجموعة فتقول للضب مدّ يدك نبايعك خير من أن نبايع علي ابن أبي طالب ، مع ذلك فإن الإمام علي سلام الله عليه يقول : لن أقطع عطاءكم ، ستأخذون رواتبكم ، لا توجد مشكلة لي معكم ، خلاف شخصي بأن لا تبايعونني هذا لا يهم ، لكن ما سلم المسلمون منكم . لذلك لما خرج الخوارج وقتلوا عبيد الله وبقروا بطن زوجته وقتلوا رضيعه ، هنا أمير المؤمنين سلام الله عليه قاتلهم ، وإلا فقد كانت لديهم تجمعات وأكثر من تجمعات . مَن مِن الحكام يتحمل هذه المسألة أو حتى مدير مؤسسة يتحمل كعلي ابن أبي طالب إذ كان يخطب في أحد الأيام فيقف له أحدهم ليقول له : هذه عليك وليست لك يا أمير المؤمنين ، يُغلِّط الإمام علي سلام الله عليه ، يقف ليقول له أنت غلطان ، أو أحدهم يقف ليقول له : قاتلك الله من كافر ما أبلغك ! لو كان أحد غيره لكان الأمر مباشرة : اضربوا عنقه ! هذه هي اللغة السائدة : اضربوا عنقه ، لكن أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه لا توجد لديه مشكلة مع هذا النمط من المعارضة ، أضف إلى ذلك أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه أعطى قيمة حقيقية للفرد المواطن فيجد الجرأة ليقول : هذا لي يا أمير المؤمنين ، ولا أدل على ذلك من وقوف مواطن يهودي في قبالة أمير المؤمنين في الدعوى التي جرت عند شريح القاضي ، حيث ادعى يهودي على أمير المؤمنين أن هذه الدرع له وليست لأمير المؤمنين سلام الله عليه ، فجلس معه عند شريح القاضي ، لاحظ ليست القضية هنا هي عدالة شريح القاضي وإنما عدالة علي ابن أبي طالب حينما سمّى القاضي اليهودي باسمه فقال له : اجلس يا فلان ، وقال : اجلس يا أمير المؤمنين ، قال : ما أنصفت الرجل حيث سمّيته وكنيّتني ، يقول هذا هو أول الميل مع أحد طرفي الخصومة ، يقول من المفروض ما دمت قلت له : يا فلان أن تقول لي : اجلس يا علي ولا تقول يا أمير المؤمنين كي لا تدخل الخوف في نفسه . واقعاً قمة في العظمة ، بخلاف من بعض من يدعون الديمقراطية لديهم مجموعة من المشاكل الكبيرة حينئذ ولا أعظم من مشكلة مونيكا التي تُسوّد الوجه ، وليست هناك قضية محاكمة ولا غير ذلك . هذا هو علي ابن أبي طالب ووقوفه أمام القضاء الذي أجبر شريحاً حينئذ أن ينقاد لأنه إذا انتقده الإمام في الإخلال بميزان من موازين مقدمات القضاء فلن يسمح له حينئذ أن يشطح في البقية ، ومع من ؟ ! مع مواطن يهودي وليس مع مواطن مسلم ! هل يستطيع أحد أن يقاضي حاكما ؟ يقول له تعال عندي قضية ضدك لنقف أمام قاضٍ ؟ ! أبداً . مواطن عادي يعمل ذلك ؟ قطعاً لا يمكن . القضية الثانية عند أمير المؤمنين هي أن شاعره الذي نعتبره نحن الآن بمثابة وزير الإعلام ، شاعره يشرب الخمرة فيطلبه ليقيم الحد عليه فيهرب إلى معاوية لأنه يعرف المكان المناسب حينئذ لتغطية الأخطاء ، ومن يصبح المعروف عنده منكراً والمنكر معروفاً . يخشى من عدالة علي ومن سطوة علي ومن أن عليّاً لا تأخذه في الحق لومة لائم ليرجع إلى خصم علي الذي يعرف بأنه حينئذٍ سينفذ بفعلته هناك .
أسباب خروج الإمام الحسين عليه السلام
الحسين صلوات الله وسلامه عليه شاهد الجهاز الحاكم هو بذاته فاسداً حيث لم يقف أحد أمام نسبة
رجل لأبي سفيان حين أُلحِق زياد المجهول الأب إلى أبي سفيان بدعوى أنه كان يرد على أمه فحملت منه ، سبحان الله ! أولا الإسلام يقول : " الولد للفراش وللعاهر الحجر " ثانياً هذا الرجل لا يرضى أن الإسلام ينزّه أباه إلا أن يقول فعل أبي في الجاهلية فاحشة الزنا وهذا أخي من ذلك . إذن الفساد على كل المستويات . الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه حمل على عاتقه أن يقوم بعملية الإصلاح ، ما هي الأدوات التي استخدمها الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه ؟ ، الغاية شريفة ، والأهداف عالية ، ولكن الوسيلة مهمة . تجد الكثيرين يقعون في شراك استخدام الوسيلة ، أنا غايتي شريفة لكن لأن فلاناً اعتدى علي فيجوز لي حينئذ أن أغتابه أو أقف في الشارع وأضربه ! ليس من حقي ذلك من الناحية الشرعية ، صحيح أنني مظلوم لكن ليس من حقي أن أضربه ، لاحظ فهذه وسيلة ، استخدمت أنا إذن وسيلة سيئة ، وسيلة غير شرعية ليست من حقي . كل الثورات في العادة هكذا ، مادامت الغاية شريفة فالوسيلة حتى لو يرتكب الإنسان فيها خطأ حينئذ فلا إشكال في ذلك ، الغاية تبرر الوسيلة ، يعني القضية الميكافيلية تحكم حينئذ فهي مغتفرة عندهم إلا الحسين صلوات الله وسلامه عليه فكل الوسائل التي استخدمها وسائل شريفة ونظيفة ، أنه أنا وأنت يا يزيد نحتكم إلى الجمهور ، أليست القضية ديمقراطية ؟ أليست قضية انتخابات حينئذ ؟ أنا جاءتني ثلاثون ألف رسالة ، يعني هناك ثلاثون ألف شخص ، هناك ثلاثون ألف عائلة ، وبعض الأشخاص أساساً يمثلون قبائلهم وليس عائلاتهم فقط فحينئذ ملايين الناس من منطقة واحدة يبايعونني ، نحتكم حينئذ للجمهور ، للشعب ، فلم يقبل يزيد منه ذلك . بل أكثر من ذلك أرسل إلى عامله أن يأخذ البيعة من المسلمين عامة ومن الحسين خاصة وكتبها كما تقول الروايات في قرطاس كأنه أذن جرذ ، أي كأنه أذن فأر ، أي صغير جداً لماذا صغيرة ؟ لأن عادة الرسائل التي ترد يُحتَفظ بها في الأرشيف ، فهل التي بحجم أذن الفأرة يُحتفَظ بها في الأرشيف أيضاً ؟ هذه مآلها لأن تُرمَى ، لا يحتفظون بها ، فحينئذ هذا هو الدهاء المسيحي هنا ، لأن مستشاره من هو ؟ وهذا هو سبب الفساد حقيقة ، مستشاره ليس : سرجون ، بل : ( السير جون ) أي : ( السيد جون ) هذا هو المستشار ليزيد ، رجل مسيحي ، وهؤلاء كانوا يريدون القضاء على الإسلام ، فيأخذ البيعة من الحسين خاصة . رواية أخرى حينما جاء عبد الله بن جعفر – الإمام الحسين كان يعي الأمور ، يعي المسائل – فحينما جاء عبد الله بن جعفر ناصحاً للحسين ومشيراً عليه فما الذي قال له الحسين صلوات الله وسلامه عليه ؟ قال الحسين : " لو كنت في جحر هامة من هذه الهوام لاستخرجوني حتى يقتلونني " ، يقول النية مبيّتة لقتلي خرجت أم لم أخرج أجبت أم لم أجب ، والكلام مع عبد الله بن جعفر كان في مكة المكرمة ، أي قبل أن تتضح بوادر الثورة حينئذ . رواية أخرى ، ينقل التاريخ أن يزيد أرسل ثلاثين من أشرار أو من شياطين بني أمية ليقتلوا الحسين ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة . إذن الإمام الحسين لم يخرج فقط استجابة لأهالي الكوفة ، لا ، واقعاً الحسين درس الأمور من كل الجوانب وهناك دعوى في الظاهر أيضاً من الكوفة ، وحينما يصبح أهل الكوفة حريصين على الإسلام ويدعون الحسين ولا يستجيب لهم فما الذي يعنيه ذلك ؟ سيصبح ذلك في المستقبل ديناً أنه لو وجدت حاكماً منحرفاً فلا يجوز حينئذ الوقوف في وجهه ومن ثم لو ناداك الناس لأن تقوم بوظيفتك لا يجوز لك أن تجيبهم ، وهذا سيصبح دينا وشريعة . والإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه هو المصوّب للأمور العامة في شؤون المسلمين .
الأساليب التي استخدمها الإمام الحسين في حركته
الإمام الحسين سلام الله عليه استجاب لكن الوسائل التي استخدمها وسائل نظيفة . أول وسيلة أنه لم يغر على القرى والمدن التي مر بها ولا القبائل الموالية لبني أمية ، وعادة الثورات هكذا ، يمر ، يغير عليهم ، يأخذ أملاكهم ، يسبيهم ، وغير ذلك . الإمام الحسين لم يستخدم هذا الأسلوب ، لم يغر على قوافل بني أمية أنفسهم فيصادرها وهذا أيضاً أسلوب نظيف . الأسلوب الآخر أنه حينما استقبله أو حينما التقى به الحر بن يزيد في البرية أصرّ صلوات الله وسلامه عليه بأن يسقوهم الماء لأنهم جاؤوا في حالة يُرثَى لها ، ليس لديهم ماء . وهذه حالة إنسانية أنه حتى عدوك لا أشكال في أن تعطيه ، لا إشكال في أن تحييه . لذلك فإن الإمام الحسين سلام الله عليه قال : " رشّفوا الخيل ترشيفا " أي ليس فقط البشر ، هذا أيضاً من الأساليب النظيفة والشريفة . من ضمن الأساليب النظيفة والشريفة أيضاً أنه في ساحة كربلاء وصل جيش الإمام الحسين وإن كانوا قلة إلا أنهم وصلوا قبل جيش يزيد ، كان الذي أمامهم ألف نفر من جيش يزيد ، كان بالإمكان التخلص منهم والجلوس حينئذ على نفس الفرات ، كان بالإمكان احتلال ماء الفرات ومنع الطرف الآخر أو على الأقل إذا لم يستطع منع الطرف الآخر يكون لديه حينئذ ما يكفيه من الماء . الإمام الحسين لم يستخدم هذه الأساليب حتى التي يسمونها مستفزة وإنما كان يريد حقيقة الإصلاح ويريد أن يوجد ثقافة مختلفة ، أضف إلى ذلك أنت في يوم العاشر من المحرم في وقت الظهيرة ، بينك وبين الجنة لحظات ، ساعات ، الوقت لا يزال موجوداً ومع ذلك أصرَّ إلا أن يصلي مع وقت حضور الصلاة ، مع أن الجماعة لم يتركوا الحسين صلوات الله وسلامه عليه يصلي بكل حرية بل بدءوا يرمونه بالسهام والنبال وهو في حال الصلاة ، ومات على أثر ذلك اثنان من أصحاب الإمام صلوات الله وسلامه عليه ، وهما اللذان كانا قد تصديا لاستقبال السهام والنبال عن الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه وماتا بعد الانتهاء من الصلاة مباشرة . إذن الوسائل المستخدمة بما فيها الحفاظ على الصلاة التي من أجلها خرج الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه ولم يستسلم أيضاً . أي في نفس الوقت أراد الإمام صلوات الله وسلامه عليه أن يرجع العزة والكرامة للإنسان المسلم فقال قولته المشهورة : أنه " قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة يأبى الله لنا ذلك ورسوله " إذن المسألة حينئذ هي أنني لدي مشروع حضاري يجب أن أرسيَه . هذه الثورة بهذه النظافة والطهارة هي نقطة التقائنا بالإمام الحسين وتقديسنا للإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه أنه لم يخرج أشرا ولا بطرا ، لم يخرج من أجل المال ، لم يخرج من أجل الحكم ، لم يخرج من أجل الهوى ، وإنما خرج من أجل أن ينقذنا نحن وأن يبقي لنا عزتنا وكرامتنا إلى يومنا هذا . إذن لولا الحسين لما بقي للإسلام بقية .
ثورة الإمام الخميني هي مثال الفتح الذي حصل عليه الإمام الحسين
قد يقول الإنسان ما هي النتيجة ؟ تحرك الحسين واستُشهد ، فهل تريدون منا أن نُستَشهد دائماً ؟ ! لا ، من قال حينئذ أنه استُشهد ؟ ! استُشهِد أي حصل على مرتبة الشهادة لا شك ولا إشكال فيه ، لكنه بشهادته هذه حصل على الفتح المبين أيضاً وهو أنه إلى يومنا هذا كل ثورة هي نتاج حركته صلوات الله وسلامه عليه ، وفي عصرنا الحاضر نحن نشاهد حركة الإمام يرحمه الله ونحن نعيش الذكرى الواحدة والثلاثين لثورة الإمام رضوان الله عليه ، هي في الحقيقة نتيجة لأي شيء ؟ نتيجة لثورة الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه ، لقول الإمام : " كل ما لدينا من عاشوراء " فهي نفس المبادئ . الإمام الخميني رضوان الله عليه لما تحرك لم يتحرك بعنف مسلّح وإنما كان بالكلمة يحارب ، لذا لم يُشكِّل خلايا مسلحة للاغتيالات أو ما إلى آخره ، وإنما كان يطلب من الشعب أنه إذا أُطلِق عليهم الرصاص فليعطوا من يطلق الرصاص عليهم وردة . فكان رضوان الله عليه يتعامل مع هؤلاء ، مع الشاه بالكلمة ، ولم يكن حينئذ يستخدم الأساليب غير الشرعية ، لذا فإنه رضوان الله عليه استطاع أن يوجد انقلاباً ليس على مستوانا نحن ، لا ، بل الانقلاب على مستوى العالَم سنة كانوا أم شيعة . بدأ الناس يدخلون في دين الله أفواجا . بعد برهة زمنية كفر فيها الناس بالدين وبقوة الدين على الخلاص ، بدؤوا يعتقدون بعد مجيء الإمام رضوان الله عليه بذلك ، الإمام رضوان الله عليه أحيا هذه الروح فأصرّ حينئذ الناس والمسلمون على أن الإمام رحمة الله عليه أوجد حياة لهذا الدين ، وفعلاً صارت عند الناس قناعة ، رجع الناس إلى الدين والتديّن بدلاً من أنهم كانوا يذهبون إلى عدم التدين .
حضور الإمام العلمي في النجف وفشل خطة إبعاده إليه
الإمام رحمة الله عليه بعدما حكم وقبل أن يحكم حياته لم تتغير . لذلك فهو كجده علي ابن أبي طالب ، كجده الحسين صلوات الله وسلامه عليهما ، عندما كان عالماً من علماء إيران وقال للشاه : قف عند حدك وينبغي أن لا تُسلّط الكفار والإسرائيليين على رقاب المسلمين أُخرِج من إيران ، كانوا يتوقعون بخيالاتهم أنه عندما يذهب إلى النجف سيشتغل بالتحضير للدروس لأن هناك حلبة سباق علمائية ، فالذي يريد أن يثبت وجوده لابد أن يجيد التحضير ويبذل حينئذ ساعات كثيرة ليكون درسه في مستوى الدروس النجفية الحوزوية خصوصاً وأن الإمام رحمة الله عليه لم يكن قد درس في النجف وإنما هو نتاج قم مائة في المائة ، وهناك عقيدة سائدة أن علماء النجف متميزون على غيرهم من العلماء بينما هذا الكلام غير صحيح ، لكل أمة ولكل قوم ولكل حوزة رجال خاصون وعباقرة وأفذاذ ، فإن العلامة الحلي والمحقق الحلي لم يكونا في النجف الأشرف . الشيخ مرتضى الأنصاري جاء من كاشان عالماً ولم يكن عندما جاء إلى النجف حينئذ قد أتاها متعلماً ، وهكذا غيره من كبار علماء الطائفة مثل الشيخ المجلسي فإنه لم يدرس في النجف ، وهكذا . إذن جاء الإمام رحمة الله عليه فوجد فيه العلماء ضالتهم من حيث التجديد في الفكر الفقهي والنظرة العصرية في الفقه ، بالإضافة إلى عمق واستيعاب تحقيقي ، ليس هو من باب جمع وتقصي الأقوال والروايات وإنما جمع بتحقيق ونظر دقيق في المسائل . فأقبل عليه طلاب العلوم حينئذٍ ففشلت الغاية التي من أجلها أرسلوا الإمام للنجف الأشرف ، وبقي الإمام كما هو الكلمة عنده هي الفصل إلى أن انتصر .
حياة الإمام الاقتصادية : الإمكانيات والتصرفات
الإمام كان من عائلة ثرية ، وحينما جاء إلى إيران وحكم لم يذهب إلى قصور الشاه بل ذهب إلى بيته القديم المبني من اللبن والطين والقش في قم المقدسة ، وحينما تم الإصرار عليه لينتقل إلى طهران أبى إلا أن يقطن في بيت لا تتجاوز مساحته الثمانين متراً ، ولم يُخلّف عمارات أو أبراجاً أو ما إلى آخره ، مع أن لديه القدرة . بل أكثر من ذلك فإن حتى ما يُهدى إليه رضوان الله عليه لم يكن ليستفيد منها هو أو عائلته ، وهناك نموذجان : أنه أهديت له قطعتان من السجاد ، قال هو بأنه أهديتا إلي باعتباري قائداً ، وباعتبار أن الناس يعتقدون فيَّ القيادة لتُرسَل هاتان القطعتان إلى بيت مال المسلمين بعد رحيله وبعد وفاته . أضف إلى ذلك السيد أحمد رحمة الله عليه لما مات أبوه جلب كيسين كبيرين إلى الحوزة وقال : هذه هدايا كانت تأتي للإمام باعتباره قائداً وأنا وأخواتي لا نريدها وإنما هي ترجع للأمة ولبيت مال المسلمين لأنها أعطيت للإمام بهذا الاعتبار ، يعني إلى هذه الدرجة ربّى أبناءه بينما أنت تنظر إلى من هو أقل شأنا من الإمام رضوان الله عليه كيف كان يتعامل وما هي ممتلكاته ومكتسباته ؟ هناك أمر آخر وهو أن الإمام رحمة الله عليه من ضمن ميراثه من أبيه مجموعة أراضٍ ومزارع ، هذه الأراضي قسّمها على الفقراء والمساكين ، وكان الشيخ مسعود الخميني وكيلاُ للإمام في تقسيم هذه الأراضي أي أنه عمل لها مخططاً لتوزيعها على الفقراء والمساكين ، أي بدلاً من أن يثري ، قل المنسوب الاقتصادي للإمام بينما غيره إذا حكم فما الذي يحدث ؟ يزيد المنسوب الاقتصادي ولا ينقص . هذا هو الفرق بين الإمام وبين غيره .
تعامل الإمام ورجال الثورة الكبار مع المعارضة ومع أبنائهم من أعداء الثورة
أضف إلى ذلك فإنه طوال عشر سنوات من وجود الإمام رحمة الله عليه تتناوله الألسن والأقلام ولم يٍُسجَن واحد ، والله لم يُسجَن شخص لأنه تطاول على الإمام ، بل أكثر من ذلك حتى ذلك المرجع الذي ظهر على شاشات التلفزيون وأنا شخصياً سمعته يقول بأنه كان عالماً ، كان يعلم بالتخطيط لمقتل الإمام رحمة الله عليه ، وعندما يُقتَل الإمام لابد أن يُقتَل معه مجموعة كبيرة في جماران يقدّر عددهم بقرابة ثلاثين ألف على أقل التقادير ولم يُخبِر الإمام رحمة الله عليه ، ويقول هكذا : أنا أعتذر من الإمام بأنني علمت ولم أخبر ، بينما هذا إذا كان يعلم بعملية القتل ولم يأمر بمعروف ولم ينه عن منكر ولم يمنع هذا فماذا يُعتَبر ؟ ! إذا لم يكن هو متعاوناً فماذا نعتبره ؟ ! هل هو إنسان صالح ؟ ! قطعاً لا . هناك امرأة وجدت رسماً تقريبياً يشبه ابنها الذي فجّر مرقد الإمام الرضا صلوات الله وسلامه عليه فاتصلت لتقول هذا ابني تعالوا وخذوه . لاحظ الفرق . الشيخ المشكيني قدس الله سره والشيخ الجنتي حفظه الله والشيخ الخزعلي علموا بأن أبناءهم التحقوا بالمجاميع المنحرفة (المنافقين) المعادين للثورة فقاموا بتسليم أولادهم فأُعدِموا ، وكانت هذه حقيقة أوسمة شرف على صدورهم . مع ذلك فإن الإمام قال أن هذا العالم إذا رأيتم أحداً يتكلم عليه فسلموه إلى أقرب مركز شرطة في ذلك الوقت مع أنه إذا لم نقل بأنه حاول أن يقتل فلا أقل أنه علم ولم يتكلم . الإمام رضوان الله عليه كان يتعامل مع الناس عامة سواسية ، لذلك كان يتعامل مع السيد حسين ابن ابنه وعزيزه السيد مصطفى كما يتعامل مع الآخرين فأمر بسجنه وضربه ، لأنه لا يوجد لأحد حصانة عنده ، لا أبناء العلماء مثل الشيخ المشكيني وغيره ولا السيد حسين ابن السيد مصطفى رضوان الله عليه .
إذن الإمام واقعاً قدم أنموذجاً من النماذج الساطعة للثورة الحسينية ، لذا فإنه بتصورنا نحن بالانتماء لهذه الثورة معناه مشاركتنا لكل مشروع نجح باعتبار الرواية التي وردت عن جابر بن عبد الله الأنصاري : " من أحب عمل قوم أُشرِك معهم " واقعاً نجني من ثمار كل مشروع خصوصاً أن الدين الإسلامي دين عالمي لا يعرف الحدود ولا يعرف المراحل التاريخية ، فهذا هو سر انتمائنا للحسين صلوات الله وسلامه عليه ، انتماؤنا للمشروع الحسيني .
نسأل من الله عز وجل أن ينصر الإسلام والمسلمين وأن يخذل أعداء الإسلام . نسأل منه أن يسدد وأن يطيل عمر وأن ينصر ولي أمر المسلمين ، ونسأل منه عز وجل أن ينصر حكيم آل محمد والجيوش القائمة على ثغور الإسلام . اللهم انصرهم وأيّدهم وسدّدهم . وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين .